١٤‏/٠٨‏/٢٠٢٦، ٩:٤٤ ص

شاحنة الهروب... عندما يعلق ترامب في مستنقع إيران

شاحنة الهروب... عندما يعلق ترامب في مستنقع إيران

بدأ ترامب حربه بحساب واضح: إظهار القوة الأميركية يجب أن يدفع طهران إلى التراجع، وفي الوقت نفسه يرسم صورة لرئيس قوي لا يُقهر. لكن بعد بضعة أشهر، تبدو الصورة التي خلّفتها هذه الحرب بعيدة تماماً عما كان يتصوره الرئيس الأميركي. ولعل لا شيء يعكس هذا التحول أفضل من قصة نقل ترامب السري في شاحنة نقل طعام.

وكالة مهر للأنباء، قسم الشؤون الدولية: لقد ذكرت صحيفة واشنطن بوست أن ترامب، بعد انتهاء قمة الناتو في أنقرة، صعد علناً إلى الطائرة الرئاسية، لكنه بعد دقائق نُقل سراً، باستخدام شاحنة طعام تابعة للمطار، إلى طائرة عسكرية أصغر حجماً. ولعبت الطائرة الرئيسية، التي كان على متنها صحفيون وعدد من مسؤولي الحكومة الأميركية، ومنهم ماركو روبيو وسكوت بيسنت، دور الطائرة الفخ. وتوجه ترامب بطائرة أخرى إلى بريطانيا، وعاد إلى الطائرة الرئاسية في قاعدة ميلدنهال.

كما ربطت رويترز هذه الخطوة بتهديد معقول بشأن احتمال استخدام صواريخ محمولة على الكتف ضد طائرة ترامب. وأقر ترامب بالحادثة، لكنه حاول التقليل من أهميتها، قائلاً إنه فعل فقط ما طلبته منه الخدمة السرية، مدعياً بنبرته المعهودة أن الرؤساء المؤثرين يتلقون تهديدات كثيرة، وربما هو نفسه الرئيس الأكثر تأثيراً. لكن المشكلة الأساسية ليست في كلام ترامب، بل في قرار المؤسسة الأمنية الأميركية.

فلو لم يكن التهديد جدياً، فلماذا ينبغي لرئيس أميركي أن يغادر طائرته الرسمية في مطار أجنبي وينتقل بشاحنة طعام إلى طائرة أخرى؟ ولماذا تُستخدم طائرته الرئيسية كطعم؟ ولماذا تصمم المؤسسة الأمنية الأميركية عملية بهذا التعقيد لحماية رئيسها؟

مع ذلك، ينبغي التمييز بين التقييم الاستخباراتي الأميركي والإثبات القطعي لتهديد ما. فتقارير وسائل الإعلام الأميركية حول احتمال تهديد إيراني، لا تعني بحد ذاتها إثبات أن طهران قد قررت استهداف ترامب. لكن حتى لو تجاهلنا هذا الادعاء، تبقى حقيقة واحدة: المؤسسة الأمنية الأميركية قدّرت التهديد المحتمل بدرجة جدية دفعتها إلى استخدام خدعة تغيير الطائرة لنقل الرئيس.

وتزداد أهمية هذه القصة عندما توضع إلى جانب تقارير عن تشديد الإجراءات الأمنية حول ترامب داخل أميركا، حيث يُظهر نشر أنظمة دفاع جوي قرب ملعب غولفه في "بيدمينستر" بنيوجيرسي صورة أخرى لهذا الجو الأمني.

فالرئيس الذي يحاول في خطاباته أن يبدو شجاعاً ومتمكناً، يُحاط اليوم في محيط مختلف بإجراءات أمنية مشددة. وهذا في حد ذاته ليس ضعفاً؛ فحماية الرئيس هي واجب طبيعي للمؤسسة الأمنية. لكن في سياق الحرب بين إيران وأميركا، تكتسب هذه الصور معنى سياسياً مختلفاً. بدأ ترامب الحرب لإظهار القوة، لكن الحرب كشفت، إلى جانب القوة الأميركية، نقاط ضعفها أيضاً.

فقد تصور ترامب أنه بضربه إيران، سيفعل ما لم يستطع رؤساء أميركا السابقون فعله لعقود: تغيير حسابات طهران وفرض الإرادة الأميركية. ولم تكن الحرب بالنسبة له مجرد عملية عسكرية، بل فرصة لبناء علامة سياسية. أراد أن يظهر كرئيس لا يتراجع، على عكس الآخرين، وقادر على إنهاء المهمة. لكن إيران لم تتصرف وفق هذا السيناريو.

فالحرب التي استمرت أربعين يوماً لم تؤدِ إلى النتيجة السريعة والمنخفضة التكلفة التي توقعتها واشنطن، بل طرحت العديد من التساؤلات حول حسابات أميركا تجاه إيران. فقد أثبتت إيران أنها، حتى في ظل الضغط العسكري الشديد، تمتلك قدرة على مواصلة المقاومة والرد وإلحاق التكاليف. وهذا ما جعل الحرب تتحول من عملية محدودة لتحقيق أهداف معينة، إلى أزمة معقدة واستنزافية. والمشكلة الأهم لأميركا هي أنها لا تستطيع بسهولة التنبؤ بنهاية مثل هذه الحرب.

ففي العديد من الحروب السابقة، حاولت واشنطن، مستخدمة التفوق الجوي والقوة النارية الهائلة، تغيير الميزان لصالحها في وقت قصير. لكن مع إيران، المسألة مختلفة. فالامتداد الجغرافي، وتوزع البنى التحتية، والقدرات الصاروخية والمسيّرة، وتجربة عقود من مواجهة الضغوط الخارجية، والقدرات التي لا يمتلك الطرف المقابل معلومات كاملة عنها، كلها عوامل تجعل التخطيط لحرب جديدة أمراً صعباً. فإيران ليست دولة يمكن تحديدها على الخريطة ببضعة أهداف عسكرية.

أي صراع واسع مع إيران قد يتجاوز حدودها الجغرافية بكثير. فالقواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، وممرات الطاقة، وأمن الخليج الفارسي ومضيق هرمز، بل والاقتصاد العالمي بأسره، يمكن أن تتأثر جميعها. ولهذا، فإن أي قرار عسكري ضد إيران ليس مجرد قرار بشأن ساحة المعركة، بل هو قرار يتعلق بسلسلة من التداعيات الإقليمية والعالمية.

من جهة أخرى، ألحقت استمرار الحرب تكاليف باهظة بأميركا نفسها. فقد سبق لواشنطن بوست أن ذكرت أن البنتاغون واجه، نتيجة تكاليف الحرب مع إيران، ضغوطاً على الموارد المالية والمخزونات التسليحية، حتى أن بعض ميزانيات التدريب وصيانة المعدات العسكرية تأثرت.

وهذه المسألة بالغة الأهمية. فأميركا قوة عسكرية كبرى، لكن مواردها العسكرية ليست غير محدودة. فالحرب الطويلة مع إيران قد تستنزف جزءاً من القدرات الأميركية اللازمة للتنافس مع الصين وروسيا ومواجهة تهديدات عالمية أخرى. ونتيجة لذلك، لم يعد سؤال واشنطن اليوم هو فقط "كيف نهزم إيران؟"، بل السؤال الأهم هو "كيف نخرج من هذا الموقف؟".

وهنا يبرز مفهوم المستنقع. فالمستنقع لا يعني بالضرورة الهزيمة العسكرية، بل يتشكل عندما يصبح النصر السريع مستحيلاً، وتتصاعد تكاليف استمرار الحرب، ويصبح الخروج منها بالغ الصعوبة.

وهذه هي المعادلة التي يواجهها ترامب اليوم. فإذا واصل الحرب، فعليه دفع مزيد من التكاليف واحتمال اتساع رقعة الصراع. وإذا تراجع، تضررت الصورة التي بنها لنفسه كرئيس لا يُقهر. وإذا لجأ إلى المفاوضات، فعليه تحويل جزء من الضغوط التي مارسها لإخضاع إيران إلى تنازلات سياسية. ولهذا، إلى جانب التهديدات العلنية، تظهر مؤشرات على محاولات لإبقاء مسار الدبلوماسية مفتوحاً.

وهذا الثنائي ليس مصادفة. فالتهديد العسكري يمكن استخدامه لزيادة الضغط على طاولة المفاوضات، لكن عندما يثبت الطرف المقابل أنه لا يخشى التهديد ويمتلك قدرة على إلحاق التكاليف، فإن التهديد وحده يفقد فعاليته. فقد أثبتت إيران في هذه الحرب أن القوة لا تختصر في عدد المقاتلات وحاملات الطائرات والميزانيات العسكرية، بل هي القدرة على الصمود والرد، والأهم، القدرة على تغيير حسابات الطرف الآخر. وفي مثل هذه الظروف، تتجاوز صورة ترامب في شاحنة الطعام كونها مجرد حادثة أمنية، لتصبح صورة رمزية.

فالرئيس الذي أراد دخول الحرب بإظهار القوة، يحتاج اليوم إلى عملية خداع وتغيير طائرة ونقل سريع لعبور آمن من مطار أجنبي. وهذا لا يعني فشل الخدمات الأمنية الأميركية، بل على العكس، قد يكون دليلاً على احترافية أدائها. لكن من منظور سياسي، تظهر هذه الصورة أن التهديد الذي أدخلته واشنطن في حساباتها، أصبح الآن يشكل قضية جدية حتى بالنسبة للأمن الشخصي للرئيس.

ولعل المفارقة المرة هنا هي أن ترامب بدأ الحرب لإثبات أنه رئيس لا يخاف أحداً، لكن الحرب التي كان من المفترض أن تظهر قوة أميركا، تنتج اليوم صوراً عن هشاشة الرئيس الأميركي وقلقه الأمني. أراد ترامب إجبار إيران على التراجع، لكنه اليوم يواجه معادلة صعبة: استمرار الحرب يعني تكاليف أكبر، والتراجع يعني ثمناً سياسياً، والمفاوضات تعني القبول بأن الضغط العسكري لم يستطع إخضاع طهران. ولهذا، يمكن النظر إلى "شاحنة الهروب" بما يتجاوز كونها صورة مثيرة للجدل، فهي رمز لتغير حساب؛ حساب بدأ ترامب الحرب لتغييره، لكن واشنطن هي التي اضطرت في النهاية إلى إعادة النظر فيه. أراد ترامب جر إيران إلى مستنقع، لكن اليوم تظهر مؤشرات على أنه هو نفسه وقع في ذلك المستنقع؛ مستنقع كلما لجأ إلى القوة لحله، ازداد الخروج منه صعوبة. وربما تكون أهم رسالة لهذه الحرب هي أنه في مواجهة إيران، حتى أكبر قوة عسكرية في العالم لا يمكنها أن تكون واثقة من إنهاء الحرب بالطريقة التي بدأتها بها.

/انتهى/

رمز الخبر 1973004

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha